محمد بن عبد المنعم الحميري ( ابن عبد المنعم )
134
الروض المعطار في خبر الأقطار
نزل على الأنطاق ومعه الروم وتغلب وإياد والنمر « 1 » وقد خندقوا فحصرهم أربعين يوما وتزاحفوا أربعة وعشرين زحفا في كلها يهزم اللّه تعالى المشركين ولا يخرجون خرجة إلا كانت عليهم ، فلما رأت الروم ذلك تركوا أمراءهم ونقلوا متاعهم إلى السفن . وقد كان عبد اللّه بن المعتمر وكل بالعرب ليدعوهم إليه وإلى نصرته على الروم رجالا من تغلب وإياد والنمر فكانوا لا يخفون عنه شيئا ، فأقبلت إليه العيون منهم بما فعلته الروم وسألوه للعرب السلم وقد أخبروه أنهم قد استجابوا ، فأرسل إليهم : إن كنتم صادقين فاشهدوا أن لا اله إلا اللّه وان محمدا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأقروا بما جاء به من عند اللّه ثم اعلمونا رأيكم « 2 » ، فردّوا إليه رسله بالإسلام ، فأرسل إليهم إذا سمعتم تكبيرنا فاعلموا انّا قد نهدنا إلى الأبواب التي تلينا لندخل عليهم منها فخذوا بالأبواب التي تلي دجلة « 3 » وكبّروا وقاتلوا واقتلوا من قدرتم عليه ، فانطلقوا حتى واطئوهم على ذلك ، ونهد عبد اللّه والمسلمون لما يليهم وكبّروا وكبّرت تغلب وإياد والنمر وقد أخذوا بالأبواب ، فحسب القوم أن المسلمين أتوهم من خلفهم فابتدروا الأبواب التي أمامهم ، فأخذتهم سيوف المسلمين مستقبليهم وسيوف الذين أسلموا ليلتئذ من خلفهم ، فلم يفلت من أهل الخندق إلا من أسلم من تغلب وإياد والنمر ، واقتسم المسلمون بتكريت ما أفاء اللّه عليهم على أن لكل سهم ألف درهم : للفارس ثلاثة آلاف وللراجل ألف ، وبعثوا بالأخماس مع فرات بن حيان وبالفتح مع الحارث بن حسّان ، وولي حرب الموصل ربعيّ بن الافكل والخراج عرفطة « 4 » بن هرثمة . وقد ملح بعض المتأخرين في تسفيه رأي أميره والتهكم به في رميه الغرض الأقصى وهو مقصر عن أدناه في قوله « 5 » : تكريت تعجزنا ونحن لسخفنا * نمضي لنأخذ ترمذا من سنجر والحيص بيص أمير جمع وافر * وأنا بشعوذتي طبيب العسكر تكرو « 6 » : مدينة بالمغرب بينها وبين البحر نحو عشرة أميال ، وهي بين رواب وجبال ولها نهران أحدهما يعرف بتكرو ، به سميت ومخرجه من الجبل الذي ينبعث منه النهر المعروف بورغه ، وهو نهر كبير من أنهار المغرب . ومدينة تكرو كثيرة البساتين طيبة الفواكه لا يوجد في بلد مثل رمّانها وكمثراها ، وهي قديمة افتتحها سعيد بن إدريس بن صالح الحميري المعروف بالعبد الصالح في أيام الوليد بن عبد الملك قبل دخول موسى بن نصير ، وعلى يديه أسلم بربر تلك الجهات ثم ارتدوا ولما تثبت عليهم شرائع الإسلام ، وتجاور جبل غمارة . تكرور « 7 » : مدينة في بلاد السودان بقرب مدينة صنغانة على النيل ، وهي أكبر من مدينة سلى وأكثر تجارة ، وإليها يسافر أهل المغرب الأقصى بالصوف والنحاس والخرز ويخرجون منها بالتبر والخدم ، وطعام أهل سلى وأهل تكرور السمك والذرة والألبان ، وأكثر مواشيهم الجمال والمعز ، ولباس عامة أهلها الصوف وعلى رؤوسهم كرازيّ الصوف ولباس خاصتهم القطن والمآزر ، ومن مدينة سلى وتكرور إلى سجلماسة أربعون يوما بسير القوافل وأقرب البلاد إليها من بلاد لمتونة الصحراء أزقى وبينهما خمس وعشرون مرحلة . تل « 8 » : من بلاد الجزيرة بقرب مدينة سميساط ، وهي كبيرة آهلة وأهلها أنباط ، وبها سوق عظيمة ، وهي كثيرة الكروم والزروع . تلّعفر : هي مدينة مصاقبة لسنجار منها الموفق التلعفري مظفر ابن محمد كان متفننا في العلوم القديمة والحديثة رقيق الشعر ، وكتب من شعره على تقويم صنعه لقطب الدين صاحب سنجار :
--> ( 1 ) ص ع : واليمن . ( 2 ) ص ع : اعلموا ما رأيكم . ( 3 ) ص ع : دجيلة . ( 4 ) ص ع : والجراح بن عرفطة . ( 5 ) هذا الشاعر هو ابن القطان البغدادي ، توفي ببغداد سنة 585 ( انظر ابن خلكان 6 : 53 والمنتظم 10 : 207 ، وابن أبي أصيبعة 1 : 283 - 290 ، ومصادر أخرى مذكورة في حاشية ابن خلكان ) . ( 6 ) وردت هذه المادة في الاستبصار : 136 تحت اسم « نكر » ، وبعضها عند البكري : 90 واسم المدينة عنده : نكور ؛ وقال الإدريسي ( د ) : 171 ، ومن مدينة بادس إلى مرسى بوزكور 20 ميلا ، وكانت مدينة فيما سلف لكنها خربت ولم يبق لها رسم ، وتسمّى في كتب التواريخ نكور . وقد تصحفت لفظة « نكور » في أصول نزهة المشتاق التي اعتمدتها فجاءت في صور أخرى أقربها إلى ما أثبته صاحب الروض « تكوز » ؛ وهذا يدل على أنّ المؤلف نقل الاسم عن بعض أصول الاستبصار ( أو نزهة المشتاق ) . ( 7 ) الإدريسي ( د / ب ) : 3 / 4 ، وانظر الاستبصار : 217 ، والبكري : 172 ، وصبح الأعشى 5 : 286 . ( 8 ) المألوف أن تضاف لفظة « تل » إلى ما بعدها مثل تل موزن ، تل باشر . . . الخ ، ويبدو أن المؤلف أسقط هنا الإضافة ، فلم يعد تحديد الموضع ممكنا .